فخر الدين الرازي

63

شرح عيون الحكمة

الكرة التي ذكرتموها - وهي غير كرة العالم - خرج من مركزها خط مواز لذلك المحور فإذا دارت الكرة حتى صار طرف هذا الخط المتناهى مسامتا لطرف هذا المحور ، فقد حدثت زاوية بسبب ميل هذا الخط عن تلك الموازاة إلى هذه المسامتة . ولا شك أن تلك الزاوية قابلة للقسمة فالخط الخارج على زاوية أضيق منها ، يكون طرفه مسامتا لا محالة لنقطة ، فوق محور العالم . وذلك يدل على ما قلناه . ثم قالوا : ومما يدل على ذلك : أنا لو فرضنا أنفسنا واقفين على طرف العالم الجسماني ، فان بديهة عقلنا تحكم حكما جزما بأنا في هذه الحالة لم نميز بين قدامنا وخلفنا ويميننا ويسارنا ، ولا يمكننا أن نشكك أنفسنا في هذه القضية ، كما أنا يمكننا أن نشكك أنفسنا في سائر البديهيات . فلو جاز الطعن في أحد الجزمين ، لجاز في البقية . وحينئذ لا يمكن الحكم بصحة البديهيات ، لا جرم جزم العقل بها ، بل لا بد من تصحيحها بالدليل ، لكن الدليل موقوف على البديهيات ، فيلزم الدور أيضا . فانا لما عرضنا على عقولنا هذه المقدمة التي ذكرناها ، وعرضنا أيضا على عقولنا هذه المقدمات التي منها ركبتم هذين الدليلين ، وجدنا هذه المقدمة أقوى عند الفطرة الأولى في العقل السليم الذي لم يتشوش بسبب اعتياد المحاولات والألف بتكثير الشكوك والشبهات . وكذلك فان الذين بقوا على الفطرة الأولى ، يحكمون بصحة هذه المقدمات ، ولا يكادون يحكمون بصحة تلك المقدمات . فعلمنا : أن هذه المقدمة أولى بالقبول من تلك المقدمات . * * * قال الشيخ : « وإذا كانت الأبعاد محدودة ، فالجهات محدودة فالعالم متناه ، فليس للعالم خارج خالى . وإذا لم يكن خارج لم يكن له شيء من الخارج . فالبارى تعالى والروحانيون من الملائكة وجودهم عال عن المكان ، وعن أن يكونوا في داخل أو خارج » التفسير : من أجل أنه لما ثبت أن الأبعاد متناهية ، امتنع أن يحصل وراء تلك النهاية شيء من الجهات . وإذا ثبت أنه سبحانه وتعالى